بحث حول السيادة في القانون الدستوري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحث حول السيادة في القانون الدستوري

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين نوفمبر 02, 2015 10:42 pm

خطــة البحـــث


مقدمــــة

المبحث الأول : ماهيــة السيــادة .
     المطلب الأول : مفهـوم السيـادة .
     المطلب الثاني : خصائص السيادة.
     المطلب الثالث : مظاهـر السيـادة.
 المبحث الثاني : نظريتي السيادة في الدولة .
     المطلب الأول : نظرية سيادة الأمة.
     المطلب الثاني : نظرية سيادة الشعب.
     المطلب الثالث : موقف المؤسس الدستوري الجزائري .

الخاتمة .

قائمة المراجع .











المقدمــــة


لم يكن بزوغ فجر الدولة الديمقراطية الحديثة بالطريق السهل البسيط ،بل جاء ذلك بعد نزاع طويل ومرير بين سلطات كل من الملوك والكنيسة والبرجوازيين ،ونتج عن كل ذلك خروج الإرادة الشعبية العامة منتصرة من النزاع بين تلك السلطات ،كما أن ما يميز الدولة عن غيرها من التنظيمات والتجمعات ليس فقط توافر الأركان الثلاثة (الشعب ،الإقليم والسلطة السياسية) كذلك تمتعها بالشخصية المعنوية ،وإنما تتميز أيضا عن غيرها من التنظيمات الأخرى بسلطة عليا أو وحدة سياسية مستقلة لإدارة شؤونها الداخلية والخارجية بإستقلال وحرية كاملة التي لا يعلوها أحد تعرف بالسيادة ،وهذا يعني أن سلطة الدولة سلطة قانونية مستمدة من قانون وأنها أصيلة لا تستمد أصلها من غيرها ،غير أن هذه السيادة جاءت وليدة صراعات طويلة كما سبق الذكر ،كما أختلف في تحديد صاحبها ،ومن خلاله يكون الإشكال التالي :- ما هي السادة ،ومن صاحبها ؟ .
وللإجابة على هذا الإشكال إتبعنا المنهجين الوصفي والتاريخي ،كما إعتمدنا على الخطة التالية والمتكونة من مبحثين يشتمل الأول على تحديد ماهية السيادة من خلال ثلاث مطالب في تحديد مفهومها وخصائصها ومظاهرها والمبحث الثاني على تحديد نظريتي السيادة في الدولة من خلال ثلاث مطالب في ذكر النظريتين للسيادة كذلك موقف المؤسس الدستوري الجزائري من هاتين النظريتين .














المبحث الأول : ماهية السيادة .
المطلب الأول : مفهوم السيادة .
كلمة السيادة Souvereignty مشتقة من الكلمة اللاتينية Supraners ومعناها "الأعلى" ،والواقع أن السيادة المطلقة معناها حق القيادة بلا حدود ،هي فكرة رومانية الأصل تستمد جوهرها من المفهوم الروماني للقيادة المطلقة La summa Potestas – L'imperium وهي صيغة يمكن ترجمتها بالسلطة العلية في المجتمع (1).
لم تحضا السيادة بتحديد مفهوم متفق عليه نظرا لإختلاف الفقه حول مداها والعناصر المكونة لها وخصائصها ، كما يعود إلى أنها لم تكن وليدة بحوث ودراسات ،بل نتيجة صراع تاريخي طويل بين السلطة الحاكمة والأفراد المحكومين وتعود فكرة السيادة إلى الصراع الذي كان قائما بين ملوك فرنسا في العصور الوسطى ضد الكنيسة والإمبراطورية وطبقة الإشراف وذلك لتكوين مملكة مستقلة عن التنظيمات الثلاثة ،ومن بين تعريفات السيادة ما يلي (2) .
فيعرفها الأستاذ "إيزمان" من حيث الدولة التي يرى بأنها تشخيص قانوني للأمة ،وحسب رأيه فالشيء الذي يجعل الأمة دولة هو توافر السلطة العامة التي تعلوا إرادة أعضاء الأمة فلا توجد سلطة تخضع لها .
ويرى الأستاذ "كاري ديمالبرغ" على أن السيادة شيء غير السلطة السياسية ،فإن كانت هذه السلطة السياسية ركنا للدولة ،فإن السيادة ليست كذلك بل يمكن أن توجد دولة بدون سيادة ولكن لا يتصور وجود دولة دون سلطة سياسية . (3)
ويرى الأستاذ "فير" بأنها صفة في الدولة تمكنها من عدم الإلتزام والتقيد إلا بمحض إرادتها في حدود المبدأ الأعلى للقانون وطبقا للهدف الجماعي الذي تأسست لتحقيقه .
أما الأستاذ "دابان" فيعرفها بقوله أن الدولة تكون ذات سيادة في مواجهة الأفراد والجماعات الخاصة والعامة التي تعيش أو تعمل داخلها فهي المجتمع السامي الذي يخضع له الأفراد والجماعات .
ولعل أقرب وأصح تعريف للسيادة هو تعريف الفقيه "جون بودان" الذي يرى أن السيادة تعني الإستقلال المطلق وعدم التبعية لأي سلطة سواء في الداخل أو الخارج .ومن خلال هذا المفهوم القانوني للسيادة ،فهي إمتلاك السلطات الحكومية وممارستها من قبل الدولة لأن السيادة تسمح للدولة بأن تمارس إختصاصاتها لوحدها وفي إقليمها وعلى شعبها سواء بالنسبة لممارسة السلطة القضائية أو تنظيم المرافق العمومية كما يسمح لها بممارسة إختصاصاتها بشكل مستقل عن أي سلطة أخرى .
 
1- د/ محمد أرزقي نسيب :أصول القانون الدستوري والنظم السياسية ،الجزء الأول ، الطبعة الأولى ،1998 ،شركة دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع ،الجزائر،ص 139 .
2- د/ سعيد بو الشعير :القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة ،النظرية العامة للدولة والدستور ،طرق ممارسة السلطة ،الجزء الأول ،الطبعة الثالثة ،1986 ،ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر ،ص 81، 82 .
3- د/ أوصديق فوزي :الوافي في شرح القانون الدستوري، الجزء الأول ،نظرية الدولة ،الطبعة الأولى ،ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر ، ص121.
(02)
المطلب الثاني : خصائص السيادة .(1)
للسيادة عدة خصائص تتمثل في :
1/ أنها سلطة عليا لا تعلوها أو تساويها أي سلطة .
2/ أنها سلطة أصلية وذاتية غير مستمدة من الغير .
3/ أنها سلطة قانونية فهي مبنية على القانون وتسمح لقائمين علي الحكم بسن القوانين الملزمة .
4/ أنها سلطة شاملة فهي تخضع كل من يكون على إقليمها إلا المستثنون من ذلك مثل (الدبلوماسيون).
5/ أنها سلطة دائمة فهي لا تزول بزوال الحكام للدولة .
6/ أنها سلطة غير قابلة للتجزئة مهما تعددت السلطات ومهما يكن توزيع السلطات .
المطلب الثالث : مظاهر السيادة .(2)
مما سبق يتبن لنا أن السيادة من حيث الأساس قد تكون سيادة قانونية أو سياسية وفي بعض الأحيان فعلية ،كما أن لهذه السيادة وجهان أو مظهران سيادة داخلية وسيادة خارجية وقد تكون شخصية أو إقليمية كما أن لها مضمونان سلبي وآخر إيجابي .
الفرع الأول : السيادة القانونية والسيادة السياسية والسيادة الفعلية .
* السيادة القانونية هي الهيئة التي يخولها الدستور أو القانون سلطة ممارسة السيادة في إصدار الأوامر والقوانين ومعاقبة كل من يخالفها .    
* السيادة السياسية ويقصد بها الشعب بمفهومه السياسي ،فالسيادة السياسية ملك للشعب الذي يقوم بإختيار من يمارس السيادة القانونية ذلك في الدول الديمقراطية .
* السيادة الفعلية هي طاعة المواطنين لأوامرها سواء كانت مستندة لقانون أو غير مستندة له ،وقد يكون صاحب السيادة الفعلية قائد عسكري فيستخدم الجيش للسيطرة وقد يكون زعيما وطنيا يدين الشعب بمبادئه .
الفرع الثاني : السيادة الداخلية والسيادة الخارجية .
* السيادة الداخلية هي سلطة الدولة المطلقة على الأفراد والهيئات داخل إقليمها فيحق لها أن تصدر أوامر وتوجيهات لها صفة الإلزام فلا ينازعها ولا ينافسها أحد في فرض إرادتها داخل إقليمها .
* السيادة الخارجية هي عدم خضوع الدولة لأي سلطة أجنبية وبالتالي مساواتها بين الدول وإستقلالها عنها فهي لا تتلقى التوجيهات من الخارج ولا تتدخل في الشؤون الدول الأخرى ذات السيادة غير أن هذا لا يحول دون خضوعها لقيود القانون الدولي والمعاهدات والإتفاقات التي أبرمتها برضاها ،كما أن هناك دول تفقد بعض سمات السيادة فتوصف بأنها دول ناقصة السيادة كالدول الخاضعة للإنتداب .

1- د/ الأمين شريط :الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية المقارنة ،الطبعة 1999 ،ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر ،ص 78.
2- د/ أوصديق فوزي :مرجع سابق ، ص 123، 124 ،125 .
(03)
الفرع الثالث : السيادة الشخصية والسيادة الإقليمية  .(1)
* السيادة الشخصية هي أن تتابع الدولة أفراد شعبها وتطبق عليهم سيادتها وقانونها أينما كانوا .
* السيادة الإقليمية هي أن تطبق الدولة سيادتها وقوانينها على الأفراد المتواجدين فوق إقليمها دون أن تتعدى تلك الحدود إلا إستثناء في حالات خاصة وهي المعمول بها في عصرنا الحاضر .
الفرع الرابع : المضمون السلبي والإيجابي للسيادة .(2)
* المضمون السلبي يتجسد من الناحية الداخلية في عدم تبعية الدولة لأية دولة أجنبية وإمتناعها عن القيام بأي عمل يمس إستقلال دولة أخرى .
* المضمون الإيجابي من الناحية الداخلية يتجسد في وضع الدستور من طرف الدولة وسن قوانينها وتحديد نظام حكمها وتنظيم إرادتها .
ومن الناحية الخارجية يتجسد في قيام الدولة بإبرام المعاهدات والإتفاقيات والإعلانات والوفاء بإلتزاماتها .
المبحث الثاني : نظريتي السيادة في الدولة .(3)
ذكرنا فيما سبق أن السيادة هي مجموع الصفات التي تتصف بها السلطة السياسية للدولة ،ونحن إذ نتساءل إلى من تكون السيادة ،أي نحدد صاحب السلطة السياسية ذات سيادة ،إن مشكلة تحديد صاحب السيادة تثير صعوبات كثيرة للقانون الدستوري وقد وجدت نظريتان نظرية سيادة الأمة ونظرية سيادة الشعب .
المطلب الأول : نظرية سيادة الأمة .
 الفرع الأول : مضمون النظرية :
جاءت هذه النظرية على أنقاض نظرية السيادة المطلقة ،ومفادها أن السيادة ليست للملك وإنما للأمة بإعتبارها كائنا مجردا عن الأشخاص المكونين لها ،وعليه فإنه لا يمكن تجزئتها بين الأفراد وإنما تبقى ملكا للمجموعة المستقلة التي تمثل تعهد إلى هيئة تستخدمها لصالح الكل .
وضمن هذا التوجه يرى الفيلسوف "جون جاك روسو" "بأن الجسم السياسي إذا نظرنا إليه بمفرده يمكن أن يعتبر كجسم منظم حي وشبيه بالإنسان ... إذا فالجسم السياسي هو أيضا كائن آدمي له إرادة وهذه الإرادة العمومية تنزع دائما إلى المحافظة على كل جزء من الكائن وعلى رفاهيته " .
فالإرادة العامة هي ملك للأمة جمعاء ليست ملكا للحاكم ،ولهذا فإن سيادة الأمة من أهم خصائصها أنها وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة ولا يمكن التصرف فيها أو التنازل عنها وتكون مطلقة وشاملة والأمة وحدها هي المالكة .
1- د/ سعيد بو الشعير :مرجع سايق ،ص 90 .
2- د/ أوصديق فوزي :مرجع سابق ، ص 125 .
3- د/ سعيد بو الشعير : ص 85 ،86 ،87 .
(04)
  الفرع الثاني : نتائج النظرية : وقد خلصت نظرية سيادة الأمة بنتائج التالية :
- والمقصود بالسيادة المطلقة هو عدم تقيدها بحدود ولا ينازعها السلطة أي تنظيم آخر ،وإن كانت تخضع لقيد مبدأ سيادة القانون في عصرنا الحاضر وتراعي العادات والتقاليد الإجتماعية .  
- أما أنها دائمة فمعناه أن زوال الأفراد لا يؤثر في بقائها .
- والقول بأنها عامة شاملة يعني أن طاعة الأفراد لها واجبة ،ولها الحق في إستخدام القوة بما لها من سلطة لإجبار الأفراد على طاعتها .
- والقول بأنها غير قابلة للتجزئة يفيد أنه لا مجال لوجود سلطتين ،وبالتالي سيادتين مهما كان شكل الحكم الذي تتبعه الدولة من الناحية الدستورية أو الإدارية وبذلك فهي لا تتفق مع الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة التي تعتمد على الإستفتاء الشعبي بل تتفق ما الديمقراطية النيابية .
- كما أن الإنتخابات في ظل هذا المبدأ وظيفة وليست حقا وبالتالي يجيز تقيدها بشرط كالنصاب المالي
- النائب في المجلس النيابي ممثل للأمة وليس نائب عن دائرته الإنتخابية .
- الإعتماد على هذه النظرية يفترض عدم إقتصار هذا الحق على جيل معين ومحدد بل يشمل حاضر وماضي ومستقبل الأمة لهذا يجب مراعاة مصالح الأجيال اللاحقة .
والحقيقة أن هذه النظرية كانت وليدة التناقضات التي كانت قائمة بين مصالح الملك من جهة ومصالح البرجوازية من جهة أخرى حيث كانت البرجوازية تريد الإستيلاء على السلطة ،وإبعاد  الضعفاء من ممارسة حق الإنتخاب وذلك بتقرير سيادة الأمة.  
 الفرع الثالث : نقد النظرية :غير أن هذه النظرية أنتقدت من خلال :  
- إن منح السيادة للأمة يعني منحها الشخصية المعنوية ،وبالتالي نكون أمام شخصين معنويين هما الأمة والدولة ،لذلك نجد بأن البعض إعتبر الدولة والأمة شخص معنوي واحد وبإختلاط الدولة بالأمة تكون الدولة هي صاحبة السيادة .
- إن القول بسيادة الأمة يؤدي إلى إقرار السلطان المطلق لها مما ينتج عنه إهدار لحقوق الأفراد .
- إذا كانت سيادة الأمة لا تتجزأ وأن القانون يعبر عن إرادة الأمة فإن الإنتخاب يصبح وظيفة وليس حقا ،ومن ثمة يجوز للقانون تقييده وتحديد الشروط الواجب توافرها في الشخص حتى يستطيع مباشرة تلك الوظيفة مثلما حدث في دستور 1791 الفرنسي حيث قيد الإنتخاب بشرط دفع ضريبة تعادل قيمتها عمل ثلاثة أيام .
- أن نظرية سيادة الأمة أدت إلى تقرير أن الممثل المنتخب لا يمثل الدائرة التي إنتخبته وإنما يمثل الأمة ،مما أدى إلى ظهور فكرة التمثيل ،والقضاء على فكرة الوكالة الإلزامية .
- يرى بعض الفقهاء عدم جدوى هذه النظرية في الوقت الحالي لزوال الظروف التاريخية التي أفرزتها ،كإنقضاء النظام الملكي المطلق .
(05)
المطلب الثاني : نظرية سيادة الشعب .
 الفرع الأول : مضمون النظرية (1)  :
قامت هذه النظرية على أنقاض نظرية الأمة فبعد ثبات قصر تلك النظرية ظهر إتجاه ينادي بنظرية جديدة تكون بديلا لتلك المعمول بها أطلق عليها إسم نظرية سيادة الشعب ،وهي إن كانت تمنح السيادة للجماعة إلا أنها لا تنظر إليها كمجموعة مستقلة عن الأفراد المكونين لها ،بل بإعتبرها مكونة من عدد من الأفراد لكل منهم جزءا منها ،لذلك فإن هذه النظرية تقضي على فكرة عدم قابلية السيادة للتجزئة وتعتبر الإنتخاب حقا وليس وظيفة ،كما أن سيادة الشعب هي الأخرى ظهرت كنتيجة للصراع الذي كان قائما بين البرجوازية التي إستولت على السلطة والشعب ،وإستطاع هذا الأخير فرضها على البرجوازية في مكان نظرية سيادة الأمة ،فتقررت في دستور 1792 الفرنسي حيث نصت المادتان 25/26 على مايلي "إن السيادة تكمن في الشعب ... وليس لأي قسم من الشعب أن يمارس سلطة الشعب بكامله إلا أن كل فئة من الشعب مجتمعة ،ذات حق في التعبير عن إرادتها بكامل حريتها "    
 الفرع الثاني : نتائج النظرية : وقد خلصت نظرية سيادة الشعب بنتائج التالية (2)
- السيادة حسب هذه النظرية تتجزأ أي يتماشى مع الديمقراطية المباشرة حيث أن الشعب يباشر السلطة دون أي وسائط كذلك تتماشى مع الديمقراطية شبه المباشرة كالرجوع للشعب عن طريق الإستفتاء .
- الإنتخابات في ظل هذا المبدأ حق وليست وظيفة بحكم أن السيادة تتجزأ فلا تقيد بشرط وبذلك تؤدي إلى تقرير مبدأ الإقتراع العام .
- النائب في المجلس النيابي ممثل عن دائرته الإنتخابية وهو وكيل عن الناخبين وهي وكالة إلزامية وإلا تعرض للعزل في حالة عدم تقيده بالأوامر  .
- إن مبدأ سيادة الشعب هو تعبير للأغلبية الحاضرة المتمثلة في المجلس النيابي ،إذ لا تمثل سوى الجيل الحاضر .
 الفرع الثالث : نقد النظرية : غير أن هذه النظرية أنتقدت من خلال :  
- تجسيد علاقة التبعية بين النائب والناخب بحيث يكون النائب ملزما بأراء ومعتقدات الناخب بغض النظر عن صحتها أو خطئها ،لذلك قيل إن إرتباط النواب بناخبيهم بمثل هذا الإرتباط يؤدي إلى إحياء الوكالة الإلزامية التي عان منها أعضاء المجالس النيابية وإنتقدها بشدة الفقه الدستوري لأنها في النهاية ستؤدي إلى تغليب الصالح الخاص على الصالح العام ،وهذا بدوره يؤدي بدوره إلى أوخم العواقب على الدولة .

1- د/ سعيد بو الشعير :مرجع سايق ،ص 87 .
2- د/ أوصديق فوزي :مرجع سابق ، ص 133 .
(06)
- تؤدي سيادة الأمة إلى الإعتراف بوجود شخصية معنوية للأمة إلى جانب شخصية الدولة ،وبالتالي وجود شخصين يتنازعان على السيادة وهذا بدوره يؤدي إلى نوع من عدم الإستقرار والإضطراب ،والأخذ بمبدأ سيادة الشعب يزيد الأمر تعقيدا والموقف إضطرابا وعدم وضوح ذلك لعدم تحديده لصاحب السيادة الفعلي : هل هو الفرد أم الشعب أم الدولة ؟
لكن مع ذلك ذهب جانب من الفقه إلى محاولة التغلب على هذه المشكلة في محاولة منه لإزالة الغموض الذي يكشف مبدأ السيادة في هذا المجال ففرق بين سيادة الدولة والسيادة في الدولة فسيادة الدولة كما ذكرنا تعني عدم الخضوع لسلطة أخرى عليا سواء في الداخل أو في الخارج أما السيادة في الدولة فتعود إلى ممارستها وصاحب صفة الأمر فيها .    
المطلب الثالث : موقف المؤسس الدستوري الجزائري .(1)
إن الجزائر منذ الإستقلال تحاول إثبات سيادتها حيث صدر أمر في 31 ديسمبر 1962 يقرر إستمرار سريان القوانين الفرنسية بإستثناء تلك التي تمس السيادة الوطنية ولم تلغى النصوص القانونية الفرنسية إلا بموجب الأمر 73-29 المؤرخ في 05 جويلية 1973 الذي يقرر إلغاء الأمر 62-157 السابق الذكر القاضي بتمديد تطبيق القوانين الفرنسية .
وخلال هذه الفترة عرفت الجزائر العديد من القوانين أهمها دستور 10 سبتمبر 1963 الذي يقر في مادته العشرة  "أن الأهداف الأساسية للجمهورية الديمقراطية والشعبية :هي ... 2- ممارسة السلطة من طرف الشعب الذي تتركب طليعته من فلاحين وعمال ومثقفين ثوريين ... " غير أن هذه السيادة الشعبية لم تدم أكثر من 23 يوما من صدور الدستور بحجة المادة 59 التي تنص "في حالة الخطر الوشيك الوقوف يمكن لرئيس الجمهورية إتخاذ إجراءات إستثنائية بقصد حماية إستقلال الأمة ومؤسسات الجمهورية ويجتمع المجلس الوطني بكامل أعضائه "،وبذلك حلت عبارة الأشخاص والنزعة الشخصية محل السيادة الشعبية هذا مما دفع إلى قيام حركة بتاريخ 10 جويلية 1965 " على إعتبار أن مجلس الثورة هو مصدر السلطة ريثما يتخذ دستور للبلاد "،حيث أننا هنا أمام سيادة فعلية ،ولكن هذه السيادة الفعلية تحولت إلى سيادة شعبية نتيجة إلتفاف الشعب حول الرئيس آنا ذاك والإيمان بأطروحاته. كما نجد دستور 22 نوفمبر 1976 جاء مستوحيا من النصوص الأساسية للثورة لا سيما الميثاق الوطني لسنة 1976 وقاعدة لأي عامل مستقبلي فهكذا في المادة 195 نص عن ثوابت الأمة التي تحضر تعديلها والمتمثلة في "الصفة الجمهورية للحكم ودين الدولة والإختيار الإشتراكي والحريات الأساسية للإنسان والمواطن ومبدأ التصويت عن طريق الإقتراح العم والمباشر والسري وسلامة التراب الوطني ".

2- د/ أوصديق فوزي :مرجع سابق ، ص 136 ،137 .
(07)
أما المادة الخامسة تنص على أن " السيادة الوطنية ملك الشعب يمارسها عن طريق الإستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين " .
وهكذا نلاحظ أن المشرع الجزائري في بادئ الأمر قد حاول أن يأخذ بمظاهر سيادة الأمة كأساس وسيادة الشعب كإستثناء ،حيث كان الإنتخاب يعتبر وظيفة وليس حقا ،كما أنه من خلال الخطابات الرسمية والقوانين الأساسية (الميثاق الوطني) يتكلم على ماضي وحاضر ومستقبل الأجيال ورغباتهم ،كما أن النائب يمثل الأمة وليس الدائرة .
أما دستور 1989  ينص في المادة 06 التي توافقها نفس المادة من دستور 1996 " الشعب مصدر كل سلطة :السيادة الوطنية ملك للشعب وحده "(1) وكذا المادة 10 والتي توافقها نفس المادة من دستور 1996 " الشعب حر في إختيار ممثليه . لا حدود لتمثيل الشعب إلا ما نص عليه الدستور وقانون الإنتخابات "(2) ،والدستور يقر التعددية الحزبية كما يقر مبدأ سيادة الشعب ،وبالتالي أصبحت السيادة في الجزائر منذ صدور دستور 1989 تستند للإدارة العامة أو أغلبية الشعب ،وبالرجوع إلى مبادئ الدستور نلاحظ أنه قد أقر مبدأ سيادة الشعب إلى جانب المبادئ الأخرى كالتعددية الحزبية (المادة 40 من دستور 1989 التي توافقها المادة 42 من دستور 1996) .    
ومن خلال دستور 1996 للجمهورية الجزائرية نلاحظ أن المؤسس الدستوري قد تبنى نظرية سيادة الشعب وذلك من خلال تطابق أو تماشي مواده مع النتائج التي خلصت بها نظرية سيادة الشعب حيث نلاحظ  :
* أن السيادة تتجزأ من خلال نظرية سيادة الشعب فهي تتماشى مع الديمقراطية شبه المباشرة كالرجوع للشعب عن طريق الإستفتاء ونلاحظ ذلك من خلال المواد 06 ،07 ،10 ،11 ،14 من القانون الدستوري وهي على سبيل المثال لا الحصر ،كذلك نلاحظ أن المؤسس الدستوري قد فصل بين السلطات الثلاث ليؤكد مبدأ الديمقراطية وذلك من خلال المواد 17 ،100 ،101 ،103 ،141 من القانون الدستوري .
* كما أن المؤسس الدستوري أقر الحريات للشعب وهذا يتطابق مع الإنتقاد الموجه إلى نظرية سيادة الأمة حيث أن إقرار سلطانها المطلق يؤدي إلى إهدار حقوق الشعب .
* كما أن الإنتخابات هي حق وليست وظيفة وهذا ما اعتمده المؤسس الدستوري وذلك من خلال المادة 50 من الدستور .
ومهنا يتضح لنا جليا أن المؤسس الدستوري الجزائري قد تبني نظرية سيادة الشعب .


1- 2- المادتين 06 ،10 من دستور 1966 .
(08)
الخاتمـــــة

من خلال ما سبق يتبين لنا أن الدول تتمتع بالسيادة وتستأثر بها ومعني تمتعها بهذه الصفة أن تكون لها سلطة عليا لا يعلوها سلطة أو هيئة أخرى لذلك فسيادة الدولة تعني وببساطة أنها منبع السلطات الأخرى فهي أصيلة ولصيقة بالدولة وصفة هامة للسلطة السياسية وهي التي تميزها عن غيرها من الجماعات السياسية الأخرى، كما أصبح مصدرها إرادة الأفراد وهم الذين يباشرون مظاهرها سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة ممثليهم ،غير أن البعض يتساءل ما إذا كانت السيادة بإعتبارها وصف من أوصاف الدولة تختلف عن السيادة بإعتبارها خاصية ،فهما لا يختلفان فمن خلال الخصائص التي ذكرناها سابقا للسيادة هي نفسها خصائص السلطة السياسية فهي السلطة العليا والمرة نابعة من ذات الدولة وقادرة على تنظيم نفسها وعلى فرض توجيهاتها دون أن تكون خاضعة داخليا أو خارجيا للغير وهي في الداخل أعلى السلطات التي تملك أمر الحكم ،كما أن السلطة السياسية تستعمل في النظم السياسية والقانون الدستوري والسيادة تستعمل في نطاق العلاقات الدولية والقانون الدولي ،وفي الأخير ليست العبرة بالنتائج المترتبة على النظريتين سيادة الأمة وسيادة الشعب ولكن العبرة بالتطبيق الفعلي والكلي لهاتين النظريتين لأن الأصل واحد وهو محاربة الإستبداد وحماية حقوق وحريات الأفراد .
     















قائمــــة المراجــــع

المصادر.

   1- دستور1996 .
المؤلفات .

1- د/ أوصديق فوزي :الوافي في شرح القانون الدستوري، الجزء الأول ،نظرية الدولة ،الطبعة الأولى ،ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر .
2- د/ الأمين شريط :الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية المقارنة ،الطبعة 1999 ،ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر
3- د/ سعيد بو الشعير :القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة ،النظرية العامة للدولة والدستور ،طرق ممارسة السلطة ،الجزء الأول ،الطبعة الثالثة ،1986 ،ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر.
4- د/ محمد أرزقي نسيب :أصول القانون الدستوري والنظم السياسية ،الجزء الأول ، الطبعة الأولى ،1998 ،شركة دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع ،الجزائر.

Admin
Admin

المساهمات : 44
تاريخ التسجيل : 01/11/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://droit-tebessa.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى